الأول بعد الصعود
بسم الأب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين
أبنائي الأحباء،
نحتفل اليوم بالأحد الأول بعد عيد صعود ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح إلى السماء، وفي هذا النص الإنجيلي ليوحنا، يحدثنا يسوع عن نقطة هامة جداً، وهي الوصية التي أوصانا بها، “أحبوا بعضكم بعضاً، كما أنا أحببتكم” بهذا الحب يعرف العالم أنكم تلاميذي إن كان فيكم حب بعضكم لبعض.
هذه الوصية وصية أزلية، وصية تاريخية، وصية نابعة من قلب أب محب لأولاده، هو الذي أحبَّ، أراد من أولاده أيضاً أن يحبوا بعضهم بعضاً كما هو أحبنا، وهذا الحب لا ينطبق على أي موضوع مادي، هذا حب إلهي، حب ينبع من قلب الإنسان لأخيه الإنسان، هذا حب بعيد عن الشوائب، بعيد عن الأخطاء، هذا حب وبذل وسخاء لا حدود له، وكما كنا نتحدث في السابق أن الله تعالى أحبَّ العالم ولذلك خلق العالم، اليوم يوصينا بأن نحب بعضنا بعضاً لأن بهذا الحب نصل إلى الخلاص، نصل إلى السماء، وإن لم يكن فينا حب بعضنا لبعض، هناك تخلق العداوات، وتخلق الشكوك، وتخلق الحروب، وتخلق كل الشرور لأن الإنسان عندما يفقد الحب من قلبه يكون عدواً لأخيه الإنسان، وهذا ما نعانيه اليوم في عالمنا الحاضر، نرى النزاعات، والقتال، والحروب، والأسلحة لأن الحب أنعدم من قلب الإنسان، ولو كان في حب كما طلب يسوع منّا لما رأينا حروب ولا مجاعات في العالم، لكن بكل أسف الإنسان دوماً نراه ميالاً لحب المال وليس لحب الله، وعلينا أن نميز بين حب الله وحب المال لأن يسوع نبهنا، وكثير مرات نعاود الكرة ونقول: لا يجب أن نعبد ربين لا نستطيع أن نعبد ربين، إما أن نحب واحد ونبغض الآخر، وإما أن نعبد الثاني ونبغض الأول، محبة الله هي محبة روحية، أما محبة المال فهي محبة الشيطان لأن الشيطان عندما يدخل في قلب الإنسان يجعله وحشاً، يجعله عديم الإنسانية، يبعد عنه كل صفات الإنسانية، يسوع يطلب منا أن نحب بعضنا بعضاً بدون غاية شخصية، أنا عندما أحب الآخر ولي أهداف من هذا الحب أكون قد ارتكبت أخطاء كثيرة، عندما أفكر أو أغش صديقي أو أهلي أو مجتمعي عندما تكون لي أهداف من وراء هذه المحبة أخطأ بحق الآخرين، محبتنا لا يجب أن تكون كما نحب الحلويات، محبتنا يجب أن تكون محبة نابعة من القلب، بدون شوائب، بدون أخطاء، بدون أهداف.
سأل يسوع لبطرس هامة الرسل : ” يا بطرس أتحبني؟” أجابه: ” نعم يارب”، فأعاد الكرة وقال له: ” يا بطرس أتحبني؟” أجابه: “نعم يا رب، أنت تعرف إني أحبك”، فردد للمرة الثالثة، وقال له: “أتحبني؟” فحزن بطرس لماذا يسوع سأله ثلاث مرات أتحبني، فقال له يسوع: ” أنت ستنكرني بعد فترة من الزمن، عندما أبدأ آلامي ستنكرني ثلاث مرات”، هذا يعني أن بطرس بدأت محبته من هذه اللحظة، كانت محبته سطحية أما الآن بعد أن عرف هدف يسوع من معنى المحبة، وبعد أن نكره ثلاث مرات، بدأت محبته تكون صافية، وبذل حياته من أجل كلام الإنجيل، من أجل يسوع، وكلنا نعرف كيف بنيت الكنيسة على صخرة الإيمان لأن يسوع قال له في النهاية: “أنت الصخرة وعلى هذه الصخرة سأبني بيعتي وأبواب الجحيم لن تقوَ عليها”، نعرف أن التلاميذ عاشوا مع يسوع ثلاث سنوات، وعند الصعوبات تركوه وانسحبوا وانهزموا لكن في النهاية عندما عرفوا حق المعرفة رسالة يسوع أمنوا به، وفدوا حياتهم في سبيل إنجيله، محبتنا يا أحبائي يجب أن تكون هكذا، مبنية على صخرة إيماننا بيسوع، وأن نحب بعضنا بعضاً كما هو علمنا لأن من هذه المحبة نفهم رسالة يسوع أكثر.
قبل يومين اجتمعت عائلات حلب في كنيسة جورج ومتيلد سالم عند السالزيان، واجتمعنا مع أكثر من ألف شخص كي نعيش يوم العائلة العالمي هنا في حلب، وكنت أرى عندما كنت أتحدث مع العائلات في بداية اللقاء، كنت أرى في وجوههم هذا الحب، هذا العطاء، رجالاً ونساءً أتوا كي يظهروا للكنيسة وليسوع محبتهم، ووحدتهم، ومشاركتهم في عطاء الحب للآخرين، كم نتمنى يا أحبائي أن نرى في عائلاتنا هذا الحب يتبلور، ويظهر على وجوه الأبناء، كم نتمنى أن تكون كنيستنا كنيسة محبة وليست كنيسة مصلحة، كم نتمنى أن نرى في وجوه أبنائنا الحب الصافي لكنيستهم ولمجتمعهم، كم نتمنى أن نرى في عالمنا حب صحيح بعيد عن الماديات، وبعيد عن كل عمل شيطاني، نتمنى أن نرى في هذا العالم أناس يفهمون رسالة يسوع ويعبدوه ويحبوه، بذلك تنتهي الحروب، وتنتهي الخصومات، ونرى العالم يعيش في أمان وسلام.
أتمنى في هذا القداس الذي أقدمه على نيتكم جميعاً أن نتأمل في كلمات يسوع، أن نتأمل في معنى المحبة والحب الذي يريده منا الله تعالى كي نستطيع في يوم ما أن نغير ما في داخلنا، أن نغير تفكيرنا، وإن كان حبنا فعلاً صحيحاً يظهر من وراء أعمالنا، هذا القداس أتمناه لكم جميعاً قداس نعمة وبركة والأحد القادم عندما سنعيد عيد العنصرة، سنطلب من الروح القدس أن ينور عقول المسيحيين، وغير المسيحيين كي يفهموا معنى المحبة، ويعطوا من حياتهم من أجل المحبة، ومن أجل الإنسان.
بنعمة الآب والابن والروح القدس الإله الواحد آمين
