الرئيسية | راعي الأبرشية | نص الكلمة التي ألقاها سيادة المطران في حفل السيامة الأسقفية

نص الكلمة التي ألقاها سيادة المطران في حفل السيامة الأسقفية

صاحب الغبطة مار أغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد بطريرك السريان الكاثوليك الكلي الطوبى.
سعادة السفير الباباوي المطران دييغو كوزيرو ممثل قداسة الحبر الأعظم.
أصحاب السيادة رؤساء الطوائف المسيحية في حلب.
السادة المطارنة والأساقفة الأجلاء.
حضرات الإخوة الكهنة والرهبان.
حضرات الأخوات الراهبات الفاضلات.
الإخوة الممثلون للسلك الدبلوماسي والقنصلي والهيئات الرسمية والجهات الأمنية.
الإخوة والأخوات الحاضرون من خارج حلب والقطر العربي السوري.
الإخوة والأخوات الحاضرون من المغترب وخاصة فنزويلا.
حضرات الإخوة القائمون على تغطية الإعلام والصحافة والتلفزة.
أيها الإخوة والأخوات.
أيها الشعب الكريم.

1 – أحمده تعالى على أنني خلال ست سنوات، قضيتها في حلب بعد سيامتي الكهنوتية، لم أعرف فيها يوماً أنني وقعت أم غرقت أم غفوت أم خطئت بما يسمى الروتين. كانت سنوات عمل وجدّ وإرهاق، لما قضيته من ساعات وساعات في الاجتماعات والحلقات والندوات… الذين رافقوني أيام جهادي من عام 1973 وحتى عام 1979 يعرفون ذلك، رفاق الجهاد من العلمانيين كانوا ام من إخوتي الكهنة.

2- ست سنوات قضيتها في حلب، كانت سنوات عملٍ وجهدٍ ونشاطٍ وتأسيس، البعض منها تأسيس: أسرة الإخاء السورية فرع حلب، معهد اللاهوت العالي في جمعية التعليم المسيحي برفقة حضرة الأرشمندريت أغناطيوس ديك، الرعية الجامعة التي شكّلت جزءاً منها من حيات، ففتحت لها مقراً هنا في قاعات كاتدرائيتنا، وقاعات للدراسة اليومية ونادياً، وفرق الكشافة، مقر التعليم المسيحي الطائفي، كورال الكاتدرائية، نقل وترتيب المكتبة الطائفية… الخ.

3 – انتقلتُ إلى فنزويلا على طلب منّي، وبسماح مطران الأبرشية آنذاك المثلث الرحمة المطران فيليب بيلوني، وبموافقة صاحب الغبطة مار أغناطيوس انطون الثاني حايك، الذي وافق على انفكاكي من أبرشية حلب وضمي إلى إكليرسه البطريركي، والذي بدوره قدّم طلباً للمجمع الشرقي في روما. وبعد فترة وجيزة وبموافقة قداسة الحبر الأعظم، صدر أمرٌ بتأسيس إرسالية لطائفة السريان الكاثوليك في فنزويلا وتعييني أول كاهن سرياني عليها لمدة ثلاث سنوات قابلة للتجديد. ومركزها مراكاي، لأخدمَ فيها أبناء الطائفة السريانية وباقي أبناء الجالية العربية…

4 – رحلتُ إلى هناك وبدأت الخدمة. أقمت في بيت أهلي، وبعد فترةٍ فتحتُ بيتاً للرعية لاستقبال     المراجعين من أبناء الجالية الحلبية هناك. عملت كاهناً مساعداً في كنيسة اللاتين، وبعدها كاهناً مساعداً في كاتدرائية مراكاي. وتجدّد التعيين من ثلاث سنوات إلى أخرى، وبعدها إلى خمس سنوات وأخرى. عملت في أبرشية مراكاي اللاتينية وفي مطرانيتها نائباً. ومن ثمّ قائماً بأعمال الأبرشية. بعد ذلك بدأت بالبحث عن أرض لبناء كنيسة للجالية العربية وخاصة السريانية، فاستحصل لنا على قطعةِ أرضٍ مطران المدينة المرحوم الدكتور Feliciano Gonzalez في أجمل منطقة في المدينة. وفي عام 1983 دعوتُ صاحب الغبطة مار أغناطيوس أنطون الثاني حايك بطريركنا المغبوط، لوضع حجر الأساس، الذي حضر مشكوراً، وترأس الاحتفال، يرافقه مطران المدينة اللاتيني، وسمّاني خورأسقفاً بدون رسامة، على أن تصير السيامة بعد سنوات داخل الكنيسة المنوي بناؤها، وقد ساعدتني العذراء، وبدأت البناء عام 1985 وانتهيت عام 1986. سنة ونصف بناء، فعدتُ ودعوتُ مجدداً غبطته للحضور لتكريس الكنيسة، وليرقيني إلى درجة الخورأسقفية داخل الكنيسة كما وعد، فحضر وتمَّ كل ذلك.

5 – لا أريد أن أتحدث عن المعارضات والمقاومات التي لقيتُها من أبناء الجالية قبل وأثناء وبعد بناء الكنيسة، كانت كثيرةً وكثيرةً جداً، لكن العذراء كانت معي تقوّيني وتساعدني حتى النهاية ولا زالت. بعد سنتين من إنهاء بناء الكنيسة، استدعيتُ حضرة الأب حكمت بيلوني لمساعدتي في العمل في فنزويلا، ورغم كل المعارضات أتى وبقي يعمل معي مدة أربع سنوات، خلالها وبموافقة مجلس بلدية مراكاي الذي منحني قطعة أرض ثانية محاذية للكنيسة مساحتها عشرة آلاف متر مربع، بدأت ببناء القاعات الكبرى والصغرى، وأشكره تعالى، خلال سنتين أنهيت بناء مجمّعٍ ضخمٍ، تزيد مساحته على السبعة آلاف متر مربع، فيه قاعات كبرى للاجتماعات والحفلات والمحاضرات، تسَعُ ألفَ شخصٍ، وقاعات صغرى للتعليم المسيحي، ودروس تحضيرية للزواج، ولقاء العائلات، ومجمّع مدرسة ابتدائية حتى الآن لم تُستعمل كمدرسة ومستوصف طبي مستقل عن القاعات عمل فيه آنذاك 16 طبيباً ولا يزال حتى يومنا هذا.

6- استدعيتُ للمرة الثالثة غبطة البطريرك حايك، للاحتفال بتدشين الصالونات، ومكافأة المحسنين ومنحهم ميدالية ذهبية، وهي وسام للعذراء مريم سيدة الانتقال، فحضر مشكوراً وتمَّ ذلك.

7 – وفي عام 1999 بعد استقالة البطريرك حايك، تمّ َانتخاب سيادة المطران موسى داوود على السدّة البطريركية، فدعوته لزيارة فنزويلا، ليرى بأم عينه ما وصلنا إليه من مشاريع في بلاد الاغتراب، فنزويلا، فحضر وزار وتحقّق أنّه قد أتت الساعة كي يكون لطائفتنا في فنزويلا سلطة كنسية مستقلة، فشاور الكردينال المحلي وبعض المطارنة الذين أبدوا موافقتهم على تأسيس أبرشية أو اكسرخوسية للسريان في فنزويلا، أثناء ذلك، أحضر لنا حضرة الأب ماهر الترك ككاهن مساعد في مدينة مراكاي والذي لا يزال حتى يومنا هذا، وبعد فترة وجيزة حضر إلينا الأب سعدي توما ( مارون )، وعيّناه في مدينة بركيسيمتو كاهن رعية، كما وانضمّ إلينا شاب فنزويلي اسمه نلسون كاستيو، وهو حاضرٌ الآن بيننا وقد اعتنق الطقس السرياني، فأرسلناه إلى الإكليريكية الكبرى في كراكاس عاصمة فنزويلا، فقضى سنة تحضيرية وسنة فلسفة، وبعد ذلك أرسلناه إلى اسبانيا إلى مدينة بامبلونا لمتابعة دراسته الفلسفية واللاهوتية، وبقي له الآن سنة دراسية والسنة القادمة أي عام 2002 في نهايتها يُتِمّ دراسته اللاهوتية، عند ذلك يُمنح السيامة الكهنوتية، ويَخدِم في أكسرخوسيتّنا في مدينة مراكاي كاهناً مساعداً. ويكون عند ذلك عدد كهنتنا في فنزويلا خمسة.

8 – وأثناء زيارة البطريرك داوود إلى البرازيل، طلبنا مع حضرة الخورأسقف لويس عوّاد من غبطته أن يساعدنا على إنشاء الأكسرخوسية أو الأبرشية على أمريكا اللاتينية فوعد خيراً. وعندما شاء ت العزّة الإلهية أن يختار قداسة الحبر الأعظم البطريرك داوود رئيساً للمجمع الشرقي في روما، حزم أمتعته وانتقل إلى هناك لاستلام مركزه الجديد، وبعد أشهرٍ قليلة رقاه قداسته إلى الكرامة الكردينالية، وكان يعمل بجدّ ونشاط في سبيل الكنائس الشرقية. وبعد استلام هذه الوظيفة، عمِل واستطاع أن يُقنع قداسة الحبر الأعظم ان يحوز على إنشاء الأكسرخوسية السريانية في فنزويلا، وسمّاني عليها أول أكسرخوس بدون السيامة الأسقفية.

9 – كانت فرحة إنشاء هذه الأكسرخوسية قصيرة، فمن شهر حزيران 2001 حيث أُعلنت رسمياً وحتى انعقاد السينودس الطائفي في الشرفة في شهر أيلول 2001 تمَّ ما لم يكن في الحسبان. فالسينود س المقدّس يوم 13 أيلول وضع ثقته في شخصي، وانتخبني رئيساً لأساقفة حلب وتوابعها للسريان الكاثوليك، لم يُعلن الخبر إلاّ بعد أن ثبَّت قداسة الحبر الأعظم البابا مار يوحنا بولس الثاني المالك سعيداً هذا الانتخاب بتوقيعه في 10 تشرين الأول 2001.

10 – كانت فرحتي عظيمة عندما بلَّغني صاحب الغبطة مار أغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد بطريركنا المغبوط عن نتيجة الانتخاب، وطلب موافقتي، فأجبته بالقبول وشكرته، وبعد أيامٍ قليلة، أذاع راديو الفاتيكان رسمياً خبر الانتخاب ونشرته الجريدة الرسمية ” الأوسرفاتوره رومانو ” فعمَّت الفرحة أبناء الأبرشية السريانية الحلبية، وبلغ الخبر أبناء الجالية العربية في فنزويلا ففرح القليلون، أما الأكثرية فحزنوا لأنهم علِموا أنني سأتركهم وأعود إلى حلب بعد اثنتين وعشرين سنةً من الخدمة.

11 – لم يكن سهلاً أبداً تركي الرسالة في فنزويلا والعودة إلى حلب، بكيتُ كثيراً وبكى الكثيرون أيضاً، ليس لأنني سأترك الأبرشية وملحقاتها والكنيسة وحُجَرَها وزجاجها الملوّن الجميل والمشاريع التي حققتها هناك، لكنني بكيت لأني سأترك أشخاصاً أحببتهم، وعائلاتٍ خدمتها، زوّجت الكثير وعمدت أولادهم وأولاد أولادهم، وكثيرون منهم منحتهم الأسرار المقدّسة، ومنهم واريتهم التراب. بنيت هناك قلوباً عامرة بالمحبة، حيث أعدت الوحدة العائلية لكثير من العائلات التي قضت سنوات عديدة مفككة، وجمعت كثيراً من الأبناء مع والديهم، كنت هناك في فنزويلا القاضي والحاكم ورئيس البلدية والبواب وسائق السيارة، والمخلِّص للكثيرين من السجون، ومخلّص بعض الأشخاص من المجرمين، وبكوني المرشد الروحي لشرطة المحافظة التي كانت تقصدني لحل بعض من هذه المشاكل، فكم من مرة أتُّهم بعض أبنائنا وزُجوا في السجون لسبب ما، فكانت العائلات تقصدني كي أذهب لتخليصهم ومساعدتهم. كل ذلك بنى في قلبي محبة لا تمحوها الأيام والسنون، كل ذلك جعلني أتعلّق بهذه العائلات واحبّها وأخدمها رغم كل الصعوبات والمعارضات والمشاكسات والقال والقيل والأحقاد. لم أكن متعلقاً بالبناء، كنت أعمل ككاهن متجرّد، كجندي مستعد دوماً للخدمة ليل نهار، لم أتعلّم أبداً أن أقول لا لأي إنسان، لم أكن أميّز إنساناً عن آخر، أحببت الجميع من كل قلبي، فكيف كان سهلاً أن أترك هذه الرسالة لأعود إلى بلدي الحبيب سورية، إلى حلب مسقط رأسي التي أحببتها ونِشأت فيها؟

12 – نعم قررت، ونفذت فوراً رغبة آباء السينودس المقدّس وقبلت وحزمت أمتعتي دون النظر إلى الوراء، لم آخذ معي شيئاً سوى لباسي وأغراضي الخاصة، تركت بيت الرعية كما هو، مكتبي، سيارتي، كتبي، كل شيء، لم أحمل معي سوى المحبة ليس إلاّ. لم أنظر إلى الوراء، عاملاً بكلام فادينا الحبيب:” من أراد أن يتبعني فليكفر بنفسه، وكل من نظر إلى الوراء، لا يكون جندياً صالحاً لملكوت الله، وليس أهلاً لأن يكون لي تلميذاً “.

13 – قالوا لي كيف تترك كل شيء وتذهب؟ قلت لهم: إني لست متعلقاً بالمادة ولا بالبيوت والحجارة، أنا ذاهب، لكني أحمل معي محبتكم وقلوبكم وابتساماتكم، احمل معي أدعيتكم، ووفاءكم وإخلاصكم، أحمل معي صلواتكم وأدعيتكم وهذا يكفيني…
14 – ما كنت أحلم، ولا فكرت يوماً أن أترك حلب، والآن بعد 22 سنة عملٍ في فنزويلا، لم يخطر على بالي، ولا كنت أصدّق أنني في يوم من الأيام سأترك فنزويلا.

15 –أ تيتكم الآن أحبائي، عدت إليكم يا إخوتي لأعمل معكم من جديد، لأضع يدي بيدكم، عدتُ إليكم اليوم لأقول إنّني أحبكم وأنكم كنتم ولا تزالون في قلبي، كلّ هذه السنين لم تغيبوا عن بالي ولا لحظة، ولا دقيقة، كنتم معي في جهادي، كنتم معي في رسالتي الصعبة، كنتم معي في بلد لا أتكلم لغتها، فاندمجت في هذا المجتمع الجديد وعملت فيه بألم وعذاب في بعض الأحيان، لكنني اكتسبت خبرة لا حدّ لها، عدت إليكم وكلّي اندفاع وقوّة للعمل لتكميل رسالتي كراعٍ متيقظ، سأسهر على أبرشيتي، سأسهر على إخوتي الكهنة، سأعمل جاهداً كي أكون الراعي الصالح، سأعمل لأُظهِر لكم أنّنا كلنا واحد، أسقفاًَ وكهنةً وشعباً.

16 – عدت إليكم يا أبناء طائفتي في حلب وفي سورية الحبيبة لأقول لكم: إنَّ المحبة لا تنضب ولا تتوانى، المحبة لا تخسر أبداً ولا تنظر لِما لنفسها، المحبة عمل وإيمان ورجاء، كما قال رسول الأمم مار بولس، وعلى خطاه سأسير بعونه تعالى، وكما علمنا سيدنا يسوع المسيح في إنجيله المقدّس، وكما علّمنا قداسة الحبر الأعظم بمثاله الرسولي. وسأسير معكم يداً بيد وحتى الموت.
عدت إليكم كي أزوركم في بيوتكم
عدت إليكم لأجتمع معكم كي نعمل سوية لم فيه خير الكنيسة
عدت إليكم وعدت إليكِ يا أسرة الإخاء السورية، كي نعمل يداً بيد من جديد، كي ندعم هذا المشروع النبيل، كي ننقذ الطفل المشلول والمحروق والمريض في القلب، كي نجعل الإنسان المحروم يشعر في نفسه أنّه عنصر فعّال في المجتمع، كي نقول له إنه أخونا وواحد منا، دون النظر إلى لونه أ و عرقه أو مذهبه أو دينه.

17 – عدت إليكم يا إخوتي يا أبناء حلب المحبوبة، كي أُظهر لكم أنني لكم ومنكم وفيكم، كي نتعامل كلنا سوية مسيحيين ومسلمين، مؤمنين بالله الواحد الأحد، كإخوة نعيش على المحبة، لأنَّ المحبة تجمع ولا تفرّق، فنحن في سورية الحبيبة التي ولدنا فيها، على أرضها نشأنا، وفي قلوبنا ولدت نعمة الإيمان، وفي سورية مهد المسيحية وأرض الحضارات، ولدت أدياننا السماوية، ونمونا مع هذه الأديان، وتعلمنا ولا زلنا نتعلم، هكذا علمنا ديننا المسيحي والإسلامي أنَّ المسيحي والمسلم أخَوان، وأنَّ المسيحي يُقاسم ويشاطر أخاه المسلم السرّاء والضرّاء، وعلى هذا المنوال عاش ومات رجلنا العظيم وقائد سورية الحديثة والبطل الراحل حافظ الأسد، وعلى منواله سار ولا يزال يسير قائدنا الشاب وابن قائدنا العظيم الدكتور بشار الأسد، هذا القائد الذي رفع رأس سورية عالياً، وأظهر أمام باقي دول العالم، خاصة أثناء زيارة الحج التي قام بها قداسة الحبر الأعظم إلى سورية، أنَّ سورية بلد عظيم، سورية البلد الحضاري والمتقدّم على باقي الشعوب، يحترم كل إنسان يعيش على أرضه، يُعامل كل إنسان المعاملة الحسنة، سورية الوطن المغوار القوي بجنوده، العظيم بقوّته، كان ولا يزال وطن المحبة، وطن الإخاء، وطن الفلاح، وطن النور. فيه أشرق نور المحبة، ونحن نسير على ضوء هذا النور، ونسترشد من وطننا نور العطاء.

18 – حماك الله يا قائدنا المبشر بالخير لسورية العزيزة
حماك الله من كل مكروه يا قائد سورية الفذ
حماك الله يا محب أمتنا ورعاك وقوّاك لتسير بهذه الأمة قائداً، ذكياً، قوياً، مغواراً، عاملاً لما فيه الخير، يا صانع أمجادنا ورافع رايتنا، يا حامل هذه الراية عالياً ومن حولك رجال عظام يساعدونك، ويدهم بيدك، رجال لا يهابون الموت، وقد قدّموا حياتهم حتى الموت لرفع اسم سورية الحبيبة عالياً.
شكراً لك يا سيادة الرئيس الدكتور بشار الأسد على عطائك، سيبقى اسمك محفوراً في قلوبنا، يملأ صدورنا، منقوشاً في أفئدتنا، باسمك نسمّي أولادنا ليتعلموا منك الحب والعطاء. شكراً لسورية الحبيبة، شكراً لمدينة حلب المعطاءة التي أعطتنا الحياة، شكراً لكِ يا مدينتي، يا حلب إذ فيك ولِدتُ ومن أجلك سأُضحّي بالغالي والنفيس لأنني أحببتك ومن أجلك سأموت.
19 – لا يسعني اليوم، يوم سيامتي الأسقفية إلاّ أن أقول لكم يا أبناء حلب إنّنا كلنا عائلة واحدة وسنبقى مجتمعين، سنبقى واحداً، لا تفرقنا ولا قوّة بشرية، سنبقى عائلة واحدة تجمعنا المحبة من أي طائفة كنّا، سنعمل كلنا سوية من أجل هذا الوطن الغني بأمجاده، تجمعنا أجراس الكنائس وأصوات المآذن. فلكِ يا سورية حياتنا ومِنْ أجلكِ سنعمل حتى آخر نفس.

20 – صاحب الغبطة، أشكركم من صميم قلبي على تكبّدكم الأتعاب والسفر والحضور إلينا اليوم، لتحتفلوا وتترأسوا هذه الذبيحة الإلهية التي فيها منحتموني السيامة الأسقفية وأعطيتموني ملء الكهنوت، أشكركم من صميم القلب على محبتكم، وأعدكم أنني سأكون تحت طاعتكم ولخلفائكم من بعدكم، وأدعو إليه تعالى أن يمنحكم الصحة والقوة، لتتابعوا رسالتكم، وتكونوا رأساً وأباً حكيماً، تسوسون أمور طائفتنا السريانية الكاثوليكية العريقة في القِدم، وتكونوا، كما علمتمونا، الرجل القديس الصامت، العامل الجدّي الذي بنى الكنائس والمساكن، ورعى الأطفال، وحقّق الإنجازات العظيمة في القدس، وقضى ردحاً طويلاً من الزمن في تلك الديار المقدّسة حيث أصبحتم أسقفاًَ ومرشداً وأباً لتلك الطائفة، وكما عرفناكم الكاهن الشاب النشيط، والمدير الحكيم، والأب الحنون، حين كنّا تلامذة في دير الشرفة، وكنّا تحت حمايتكم، أحببناكم لِما توسّمنا فيكم من خصالٍ حميدة ومثال صالح، شعرنا كم كنتم تحبون تلامذتكم وتعطفون عليهم. كل ذلك الزرع الذي بذرتموه في شبابكم إن كان في لبنان أم في سورية أم في القدس، أهَّلكم لأن تكونوا رئيساً أعلى لكنيستنا السريانية، وبطريركاً نفتخر به ونفرح بوجوده بيننا، فلتكن رئاستكم علينا جميعاً خيراً وبركة، ولسنين عديدة يا سيد. حفظكم الله تحت حماية العذراء مريم. ونطلب منكم اليوم، أنْ تبلِّغوا أعضاء سينودسنا المقدّس، الآباء الأحبار رؤساء كنيستنا السريانية المقدّسة في كل العالم، أننا نشكركم جميعاً على الثقة التي منحتموني إيّاها، وانتخبتمونا رئيساً لأساقفة حلب وتوابعها للسريان الكاثوليك، في السينودس الأخير الذي انعقد في دير الشرفة في شهر أيلول من عامنا الحالي هذا، نعدهم جميعاً أنّنا سنعمل معهم بروح الأخوّةِ لِما فيه خير الطائفة.
أشكر الحاضرين منهم معنا اليوم، في هذه السيامة فرداً فرداً، والغائبين أيضاً الذين لم يستطيعوا أن يشاركونا فرحتنا العظيمة هذه.

21 – يوم سيامتنا الكهنوتية التي تمَّت في هذه الكاتدرائية في 1 تموز 1973 اتخذنا شعاراً لنا ” الخدمة بمحبّة “، واليوم نجدد هذا العهد ونحافظ على هذا الشعار، ونضعه عنواناً لأسقفيتنا، ونحاول أن نعيشه بكل أمانة وإخلاص، ونرجو أن تكون خدمتنا في حلب تحت ذيل هذا الشعار، لأنّنا مقتنعون كلّ الاقتناع أنّه بدون محبّة، لا تتحقق ولا خدمة كما علّمنا الفادي الإلهي يسوع.

22 – نشكر قداسة الحبر الأعظم البابا يوحنا بولس الثاني المالك سعيداً على قبوله بضمّنا إلى المصف الأسقفي في كنيستنا الكاثوليكية بتوقيعه في 10 تشرين الأول 2001 ومصادقته على الانتخاب، ونطلب إليه تعالى أن يحفظه للكنيسة الكاثوليكية جمعاء ذخراً وقداسة نسير جميعاً على خطاه. ونطلب من سعادة السفير الباباوي الذي يمثّل قداسته في هذا الاحتفال سيادة المطران دييغو كاوزيرو أن يُبلِّغ قداسته تحياتنا وشكرنا، ونطلب إليه أيضاً أن يُبلِّغه أنّنا نقدّم له الطاعة ولخلفائه من بعده.

23 – كما نتوجّه بالشكر لغبطة البطريرك نيافة الكردينال موسى الأول داوود، رئيس المجمع الشرقي للكنائس الشرقية، على محبته وعلى عطفه علينا وعلى عمله الدؤب الذي أبداه ولا يزال نحونا شخصياً ونحو كنيستنا السريانية وسائر الكنائس والطوائف الشرقية العزيزة. باركه الله، وكنا نتمنى أن يكون حاضراً بيننا اليوم، ولكن الأشغال الكثيرة منعته من الاشتراك معنا، ولكنّه روحياً معنا ويصلّي لأجلنا.
أشكر سيادة الحبر الجليل مار ربولا أنطوان بيلوني، المعاون البطريركي، الذي عمل في أبرشية حلب مدة عشر سنوات، كراعٍ متيقظ، وحقّق إنجازات رائعة وأبنية يخلّدها تاريخ هذه الأبرشية العريقة، كافأه المولى على أتعابه، وكان الخَلَف الصامت والأب الروحي الذي عمل دون النظر إلى مكافأة، سأعمل جهدي كي أسير على خطاه، وأحقّق ما كانت تصبو إليه نفسه في جمع النفوس ووحدة العائلة المسيحية.

24 – كما نتوجّه بالشكر العميق لجميع الإخوة رؤساء الطوائف المسيحية الحاضرين بيننا بنوع خاص، الذين شاركونا فرحة الاستقبال على مدخل مدينة حلب يوم الأربعاء 28 تشرين الأول، ونعدهم أنّنا سنضع يدنا بيدهم، لنعمل سويّة على رفع شان كنيستنا وشعبنا عالياً.
أتوجّه إلى إخوتي الكهنة العاملين معي في هذه الأبرشية المحبوبة، وأشكرهم لقبولهم إيّاي أخاً وأباً وراعيا، وأعدهم أنّني سأكون معهم في السراء والضراء، سأحبّهم كما أحبّ ذاتي، وسأعاملهم كلهم دون تمييز، لنسعى كلّنا بيد واحدة في سبيل تحقيق وعيش المحبة التي ستجمعنا كي نكون كتلة واحدة متماسكة، لا تقسّمها ولا تفرّقها الصعاب.

25 – كما أخصّ بالشكر جميع رجالات الدولة، وكل الجهات الامنية والشرطة وقسم المرور، الذين سهَّلوا وصولنا إلى مدينتنا الخالدة حلب، والذين رعونا بعطفهم ومحبتهم ورافقونا، واليوم أيضاً شاركونا فرحتنا، كافأهم المولى.

26 – لا ننسى جميع الأخويات وفرق الكشافة وفرق الموسيقى والشبيبة عامة وجوقة التراتيل، الذين نظَّموا ونسَّقوا حفل السيامة الأسقفية، وخدموا الذبيحة الإلهية بأصواتهم الشجيّة. ونعد شبيبة حلب التي عملنا معها ست سنواتٍ في الماضي أنّنا اليوم نجدد العهد ونتابع العمل معها، سنفتح لها قلبنا وأبرشيتَنا وكنيستَنا بكل ملحقاتها ولنقول لهم أهلاً وسهلاً من جديد، هلمّوا يا شباب إلى العمل بجميع منظماتكم وفرقكم، ونريد أن تعرفوا أنّنا لا زلنا واحداً منكم، وسنكون معكم دوماً، وسنحضنكم ونرعاكم كما في السابق، وسنُظهر لهم أنَّ روح الشباب حيّة فينا و أنَّ الشعر الأبيض بدأ يدبّ في رأسنا، أهلاً وسهلاً بكم.

27 – ما أجملها مناسبة يوم سيامتي الأسقفية، ذكرى لا تمحى من عمري، إذ فيها نعيّد مع إخوتنا وأحبابنا الإسلام عيد الفطر السعيد، فهنيئاً لكم بهذا العيد، أعاده الله عليكم لسنين عديدة، نشارككم فرحتكم وهي فرحتنا، ونقاسمكم عيدكم وهو عيدنا، فكل عام وأنتم سالمون.

أختم كلمتي هذه طالباً إليه تعالى أن يقوّينا جميعاً، ونسعى لما فيه خير الأبرشية. أضع تحت حماية العذراء سيدة الانتقال شفيعة كاتدرائيتنا باكورة أعمالي الأسقفية، طالباً منها القوة والحماية، وشكراً.

ثمّ منح غبطة البطريرك البركة الختامية، وخرج الموكب باحتفال إلى صالون الكاتدرائية حيث تقبّل سيادته التهاني.

وعند الساعة العاشرة والنصف مساءً من هذا اليوم الأحد، اجتمعت العائلة السريانية على العشاء الاحتفالي، حول غبطة البطريرك مار أغناطيوس بطرس الثامن عبد الأحد، والمدبّر البطريركي مار ربولا أنطوان بيلوني، إلى جانب المدعوين الكرام، وذلك في مطعم المنتدى، حيث أ لقيت كلمات الترحيب شعراً ونثراً. ثمَّ ارتجل سيادة الراعي الجليل كلمة، عبَّر فيها عن شكره للجميع وعن استعداده للخدمة، وغيرته على مدينة حلب التي أحبَّ ويحبّ. وقضى الجميع وقتاً مفعما بالسعادة والحبور.

ولا يسعنا في هذا المجال، إلاّ أ ن نذكر التفاني الذي قدّمته اللجان التي تشكَّلت، وقامت بأعباء مهمات الاستقبال والتنظيم.

وفي اليوم التالي الاثنين، تقبّل سيادته تهاني رؤساء الطوائف المسيحية والإكليروس. وفي مسائه احتفل بالقداس الحبري الأول. كما استقبل سيادته المهنئين من الرسميين ومن ممثلي الطوائف وحاملي الأوسمة والجمعيات العمومية، ثمَّ اللجان والأخويات وسائر العموم. وقد عبّر الجميع عن فرحهم البالغ لسيامته الأسقفية.

وختم راعينا الجليل مظاهر هذا الاحتفال البهيج بقداسٍ حبري في كنيسة مار أفرام في حي السريان، والتقى برعيته وتبادل معهم الأحاديث…

فهنيئاً للآتي باسم الرب.

Powered by themekiller.com anime4online.com animextoon.com apk4phone.com tengag.com moviekillers.com